عبد الرحمن بن محمد البكري
152
الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار
في طريقته بوقوفه مع علمه ، وتسليمه لمن هو أعلم منه ، وإن كان دونه ، وترك انتصاره لنفسه ، وحفظه للمتشابه ، وشغله بالذي هو أولى به من غيره ، ويستدل على حال المحفوظ بالسلامة ، والمراد بالكلائة « 1 » أن يتولى الحق له بلا استعداد ، وصيانة الحق له من القرناء السوء ، والأضداد بدوام طهارة القلوب ، وسلامة الصدور ، وكفّ الأذى ، وبذل المعروف . وقال : لا يزال العالم مرائيا في عمله حتى يعرف ربه بالحقيقة فيفتقر إليه برد النعمة له ، ولا يزال العامل معجبا بعمله حتى يعرف رؤية الحقيقة فيعترف بتقصيره في واجب حق اللّه عز وجل عليه في علمه ، ولا يزال المعطى مفتخرا بما أعطى حتى يعرف ربه بالحقيقة فيحتقر الدنيا بأسرها للّه ، وفي حق اللّه تعالى ، ولا يزال الآخذ متصنعا للناس حتى يعرف ربه بالحقيقة ، فيأخذ الأسباب من يد المسبب ، ويشهد جرى الأقدار من المقدر في المنع ، والعطاء ، وهذا الذي رفع مؤنته عن الناس ، وكفّ آذاه عنهم . وقال : بقدر نزول نفسك تحت الأرض تواضعا لربك ترتفع همتك ، ويسمو قلبك ، ويجول فكرك في الملكوت الأعلى ، فإن كنت في هذه الأرض بنفسك فأنت مع أهلها ، وإن كنت تحتها فأنت في سماء الدنيا ، وإن كنت تحت الثانية فأنت في الثانية ، وإن كنت تحت الثالثة فأنت في الثالثة ، إلى أن تقر نفسك تحت السابعة فتكون روحك في السماء السابعة ناظر إلى الكرسي ، وأن تفضل عليك مولاك ، ففتح عين قلبك إلى رؤية عرشه فأنت أنت ، ولا سبيل لما فوق العرش بلا مثال ، ولا صورة ، ولا تكييف ، ولا تحديد ، هذه طريق أهل منازل القلوب في رتب المشاهدة ، ومواجيد الحضور بالبقاء بعد الفناء فمن تعدى ذلك في التكلف عمى ، وتحيّر ، وهوى في البدع .
--> ( 1 ) لفظ يدل على المعية في الصحبة والتثنية [ صحاح : كلأ ] .